اكره ركوب المترو اكره الاماكن المغلقة والمنعزله عن الهواء والشمس والسماء ,, لم اركب المترو سوى مرتين فى حياتى وهذه الثالثة,, اشكال والوان مختلفة من البشر يندفعون الى عربات المترو للحاق ببعض المقاعد او الاماكن , ينطلق النساء نحو عربات السيدات واخريات لا يحبون الصعود اليها حيث تنتشر جماعات نسائية منتقبة تعمل على نشر فكر دينى معين حول فرضية النقاب تحت شعار النقاب مفتاح الجنة.. تنفتح امامى ابواب المترو وكأنها ابواب الجحيم يتدافعون البشر فى شكل فوضوى سريع وفى ثوانى معدودة اجد نفسى داخل عربة المترو ,, امسك بالمقابض المعلقة بالداخل .. احاول الاستقرار فى مكان ما كما احاول التقاط انفاسى من الزحام وعدم الاحتكاك بالنساء وتقادى عرق الرجال. تنغلق ابواب المترو وكأنها ابواب ساونه درجة حرارتها تعادل درجة حرارة جهنم ترتفع درجة حرارتى وابداء فى تحسس جبهتى الدافئة ,, حر حر حر كم اكره ذلك الحر .. الحر يؤلمنى ويزيد من توترى وكرهى اكثر للمترو والى عالمه المزدحم الخانق .. اريد شيئًا منعش ومثلج .. افكر فى مكعبات البطيخ المثلجة او فى صحن جيلى منعش . كم احب هذا الكائن الجيلاتينى.. اضع سماعات الموبايل فى اذنى وابداء فى الاستماع الى شىء يريح اعصابى ويقلل من توترى .. احتاج الى فيروز
ضاق خلقى يا صبى من هالجو العصبى ,, ضاق خلقى ضاق خلقى ,,
اجد تلك الكلمات هى احسن وصف لحالتى الان .. فيروز دائماً تحكى قصصى وما يدور بعقلى .. انظر الى الناس من حولى وكأنى اشاهد مشهد سينمائى صامت وصوت فيروز هو الموسيقى التصويرية .. حجاب , صليب , شعر , لحيه , نقاب, كارينا , جلباب , بدله, جينز ,اسدال , سكينى ,ابيض , اسمر , قمحى , صعيدى , قاهرى يجتمع هذا الخليط المصرى داخل المترو او بالتحديد داخل علبة السردين !,, ارى بائع اسمر اللون من الطبقة المصرية الغالبة متجول بين الناس فى المترو يبيع ولاعات واقلام وسجائر ,, لا اسمع ماذا يقول فقط ارى حركة شفايفه وهى تنطق كلمة "ولاعات سجاير ..ولاعات" ,, فجاْة اشعر بيد مهتزه تربت على ظهرى .. التفت سريعاً لأجد رجل عجوز بعمر جدى الذى توفى ولم اراه ابداً فى حياتى ,, قمحى اللون وعلامات العجز المصرى تملىء وجهه النحيف.. لا اسمع ماذا يقول .. اخلع السماعات من اذنى ,, اقول له متسائلاً ..
ايوا ؟
هى محطة مبارك اللى جاية يا ابنى ؟
ابتسم واخبره انه تم تغير اسم المحطة ولم تعد المحطة بهذا الاسم
يبتسم ابتسامة فتظهر اسنانة او ما تبقى له من اسنان ويقول : عقبال ما يحصل عياله فى طره
اخبره ان المحطة التى يريدها هى المحطة بعد القادمة
يشكرنى الرجل ويقول لى : البركة فيكم انتوا اللى هترفعوا اسم مصر وانتوا اللى هتمسحوا التاريخ المهبب بتاع مبارك ده
المح بعينى شاب يصغرنى ببضع الاعوام يرتدى السكينى وبجانبه صديقتة تردى الكارينا ورابطة الحجاب الاسبنش .. افكر فى كلمة حجاب اسبنش وفى الافتكاسات المصرية من تحويل ربطة الحجاب العادية الى رابطة خرافية الشكل تدعى اسبنش ,,اه لو يعلم الاسبان اننا نطلق على هذه الافتكاسة حجاب اسبنش لقامت اسبانيا بثورة ضد مصر وضد حجابها المفتكس .. يخرج الولد هاتفه ويقوم بتشغيل اغنية لتامر حسنى .. اكتر حاجة بحبها فيكى هو ده .. اشعر بالغثيان وافكر فى العودة الى فيروز
"ايوا كانت غزوة صناديق"
قالها رجل ابيض اللون يرتدى جلباب ابيض ملتحى الذقن وتتوسط جبهته زبيبة الصلاة لاحظت ايضاً انه يرتدى ساعتة فى يديه اليمنى !! كان يتحدث الى رجل اخر بسيط الشكل وقمحى اللون ,, لا اعلم لماذا لا استريح لأصحاب الذقون اشعر دائماً ان ذقونهم اكبر من عقولهم .. اكره ذلك التفكير والحكم على الاخرين من خلال المظهر
ايوا كانت غزوة صناديق .. الناس صوتت للدين وللاسلام ..تصدق يا اخى دول كانوا عايزين يمنعوا شرع الله ويلغوا المادة رقم اتنين لكن الحمدلله ربنا نصرنا ونصف المسلمين وان شاء الله مصر هتبقى اسلامية وهننتصر على اليهود وهنحرر القدس باذن واحد أحد .. وكل واحد صوت بنعم له اجر وثواب عظيم عند الله سبحانه عشان انقذ البلد من الضياع والفجور !!
الم اقل ذقونهم اكبر من عقولهم !!؟؟ ,, تذكرت عامل المكتب عم صلاح وهو يحضر لى كوب النيسكافية الساخن وحديثنا حول الاستفتاء وان تصويته بنعم كان نابع من خوفه عند السؤال يوم الحساب اذا صوت ب نعم ام لا ؟؟ وان الله يعد جهنم السوداء الى اصحاب لا وان الفردوس الاعلى من نصيب اهل نعم ,, سألته عن صحة هذه المعلومة, اجابنى بأن احد الشيوخ السلفيين اكد له صحه كلامه ,, ونصحنى بالاستغفار والرجوع الى الله من الذنب الذى ارتكبته فى حق الاسلام !!
تذكرت كلماته ايضاً وهو يقول : الكنايس كلها قالت للنصارى صوتوا ب لأ عشان عايزين يلغوا المادة رقم اتنين والرئيس يبقى نصرانى كم اكره كلمة نصارى وكل الكلمات ذات الدلالات العنصرية ,, اخبرته ان الكنيسة والاخوان استغلوا الدين اسواء استغلال للسيطرة على عقول الناس من اجل مصالح شخصية ليست لها علاقة لا بالدين ولا البلد .. تحدثنا وتجادلنا كثيراً وكان دائماَ يردد كلمة هما الشيوخ بيقولوا كدة !! يعنى الشيوخ هيفهموا احسن منى ومنك ؟؟ احاول اوضح له ان الشيوخ ليسوا انبياء الله ع الارض وهناك الكثير من الشيوخ يتحدثون بالنيابة عن الله لتحقيق مصالح دنيوية .. استمر حديثنا لأكثر من ساعة حتى برد كوب النيسكافية وطلبت منه احضار اخر حتى استطيع مواصلة الكلام معه . اختفى يومها ولم يحضر لى شىء لا اعلم لماذا !؟
يتوقف المترو امام محطة لا اتذكر اسمها المح من خلف الزجاج بوستر هلال يحضن الصليب وبخط احمر مسلم و مسيحى ايد واحده ,, ارتحت قليلاً من داخلى لأسباب لا اعلمها
يدخل شاب من نفس عمرى تقريباً يرتدى جينز و تى شيرت بيضاء عليها علم مصر واسفله جمله انا مش اجندة !! يحمل على ظهره شنطة سوداء وفى يديه ورق مطبوع يقوم بتوزيعه على اهل المترو
مطالب ثورة الغضب الثانية اطبع وانشر !! ,, مطالب ثورة الغضب الثانية اطبع وانشر !!
ترك فى يدى ورقة بيضاء تحمل عنوان جمعة الغضب الثانية بخط كبير تحت شعار هنزل التحرير عشان مش حاسس بالتغير وتندرج تحتها مطالب سياسية واقتصادية واخرى بالحريات
هو فى ثورة تانى يابنى هتتعمل ؟
قالتها سيدة عجوز سمراء ترتدى طرحة وعباية سوداء وفى يدها كيس بلاستك ازرق اللون
اه مكتوب فى الورقة ان فى ثورة تانى يوم الجمعة
ليييه ؟؟
ابتسم واقول لها عشان مبارك لسة ما اتنقلش طره وفى ناس من النظام اللى فات اخدت براءه وفى ثوار داخلوا السجن الحربى وكدة
طيب معلش يابنى اصلى مش بعرف اقرا مش كاتبين عندك حاجة عن شقق ؟
شقق ؟ شقق اية ؟؟
قالت والدموع محبوسة فى عينيها يابنى من ساعة ما وقعت صخرة الدويقة وهما اخدونا انا وعيالى وقعدونا فى خيم ومن ساعتها ماحدش سأل فينا ,, ماتقول يابنى للناس دول يتكلموا عننا .. احنا مش عارفين نعمل اية ولا نروح فين .
طلبت منها الدعاء لمصر وان الامور سوف تتحسن بالتدريج وان شاء الله سترزق ببيت يحتضنها هى وعائلتها البسيطة .
وضعت الام ورقة مطالب الثورة الثانية فى الكيس الازرق وكأنها تضع داخل قلبها املاً ولو بسيط فى الحصول على شقة صغيرة ورحلت تجلس بجوار رجل يقراء جريدة اليوم السابع او اليوم السافل كما اطلق عليها وفى احدى عنواينها فى الصفحة الاولى .. مصرع مواطن فى كفر الشيخ بسبب ازمة السولار وعنوان اخرعن احاله مدرس الغربية الى محاكمة جنائية ,,افكر فى السولار والشقق و التعليم و امور اخرى ,,فاشعر بقليل من الاحباط .. ولكن سريعاً تعود الابتسامة الى قلبى ووجهى عندما اجد امامى سيدة حامل فعلى الاقل هناك جيل جديد سوف يولد بدون مبارك وبدون مكتبات ماما سوزان العقيمة ..
اخيراً يقرر المترو الاستقرار فى المحطة التى اريدها فتنفتح ابوبه مرة اخرى امامى كأنها ابواب الحرية ..
واثناء خروجى اصدم بسيدة ذات شعر بنى ترتدى الاسود وعلى عنقها المسيح مصلوب ,, تحاول حمل بعض الاكياس الثقيلة والدخول الى المترو ,, بدون تفكير احمل عنها الاكياس بأبتسامة صامتة واساعدها فى دخول المترو ,, تجلس وتستقر فى مقعد داخل المترو واضع بجانبها حمولتها الثقيلة ,, تشكرنى وهى تبتسم وتسألنى
انت من اى كنيسة ؟
فقط ابتسم لها فى صمت ثم اخبرها انى مصرى ,, فقط مصرى .. وانطلق خارج المترو سريعاً قبل ان يغلق ابوابه .. ثم يرحل من خلفى ويختفى فى نهاية النفق حاملاً بداخلة انواع واشكال وعقول مختلفة من البشر معاً فى وعاء واحد فقط الشىء المشترك بينهما جميعاً هو الجنسية المدونة فى بطاقتهم كما هى مدونة فى قلوبهم "مصرى"الفكرة مستوحاه من مدونة هبة الخولى - تركيبة
هناك 4 تعليقات:
اللام عليكم ورحمة الله وبركاته
حلوة بجد ومش مجملة
تحياتي لك يافندم
:)
جميلة جدا , استمتعت و انا بقرها
جامدة جداً جداً
يخرب بيتك خليتني اعيط
إرسال تعليق