الأحد، 10 يوليو 2011

يوم بتنجانى اخر


يقال انه اذا وجدت نفسك حزين او تشعر بالضيق فجأة  فهناك سبب صغير قد حدث لك ضايقك واحزنك ,, احاول استرجاع تفاصيل اليوم لمعرفة ماهو الشىء الصغير الذى ضايقنى وجعل حزنى يزداد بداخلى.
الصداع النصفى ,, هو نصفى الاخر او صديقى  اللعين الذى يصحبنى فى معظم ايام الاسبوع .. الصداع النصفى يجعل منك نصف انسان نصف مخ نصف روح نصف عقل .. هكذا يبداء اليوم الازرق البتنجانى انا لا اكره ايام معينة فى الاسبوع ولكن اكره الارقام الفردية مثل الاحد والثلاثاء اكره الانانية وعدم المشاركة حتى ولو فى الارقام!,, يبداء يومك وانت شبه جثه هامدة على السرير تحاول ان تستجمع بقايا نصف عقلك الاخر وتحاول التعرف على معالم الدنيا من حولك ,, تقاوم اغراء السرير لك بقوة ، ترتدى الشبشب بالعكس اليمين فى القدم الشمال والشمال فى القدم اليمين تتجه الى الحمام وانت شبه سكران ,, اكره المياه الباردة ,, كيف للبشر الاستحمام بمياه باردة حتى فى ايام اغسطس الحارقة !!؟؟
 ارتدى ملابسى فى كسل . يأتينى صوت التلفزيون من الغرفة المجاورة دكتور يتحدث عن التقلبات المزاجية واهمية الشيكولاتة والتفاح فى تغير الحالة المزاجية ,, اغلق التلفزيون فى صمت لا اريد ان استمع الى احد فى تلك الدقائق الاولى من اليوم, انزل من بنايتى فاجد عم محمود الجناينى انتزع الحشائش الخضراء وبتر فروع الاشجار الضخمة بحديقة بيتنا بحجة تهذيب الحديقة ,, فى هذه اللحظة بداءت اشعر بالضيق !
التقى بصديقتى فى نهاية شارع بيتى و نذهب سوياً الى العمل اجد فى سيارتها صوت فيروز تغنى شتى يا دنيى تايزيد موسمنا ويحلى ,, احن للشتاء واتمنى انتهاء الصيف فى هذه اللحظة ,, اكره الصيف والشمس والحر والارقام الفردية ! ,, تسألنى صديقتى مالك عامل كدة لية ؟ اخبرها عن الصداع النصفى والجنينة بقت قرعة ,, فتبتسم لرؤيتى للامور من هذا المنطلق الخرافى . نصل الى العمل الساعة العاشرة الا خمس دقائق يستقبلنى رجل الامن ببرود كالعادة فأتجاهله واصعد الى مكتبى اجد بقية زملائى يرحبون بعودتى الى العمل بعد اجازة استمرت 3 ايام ,, اجد على مكتبى ورقة بيضاء مكتوب عليها بالفسفورى وحشتنا يا هشام ,, افرح بها واعلقها على "البورد" تعتبر علاقتى بزملائى فى العمل ليست علاقة عمل فقط بل هى علاقة مترابطة بشكل عائلى لذلك لا احب ان اطلق عليهم زملاء عمل بل هم اصدقاء قريبين جداً لى نقضى معظم اوقات السنة معاً اراهم اكثر مما ارى اهلى واصدقائى المقربين لى , استغرب كثيراً من الطريقة التى تأقلموا بها على فى اسابيع قليلة والتعود على طريقة كلامى السريعة , وصوت غنائى العالى , وضحكى وتعليقاتى , وتقبلهم لعلمانية عقلى فى بعض الامور , يعتبرونى الاخ الصغير او الحيلة كما يطلقون على لانى الولد الوحيد بينهما ولكنهم ايضاً يعتبرونى ركن خاص للراحة والفضفضة ووعاء كبير يتسع مشاكلهم واسرارهم الخاصة.
نعمل قليلاً ونلعب ونتحدث ونضحك كثيراً ,كانت محاور حديثنا اليوم عن امور الدنيا والدين والعذرية والالحاد وفرضية الحجاب ,اتذكر احدهن حينما قالت : داحنا هنلبس خازوق يوم القيامة لو طلع الحجاب مش فرض!! 
نطلب الغداء فنتبادل الاصناف ونتذوق طعام بعض ,لن اترك احد منهم الا لو جربت ما يأكله ,احب دائما ان ااكل مطرح اصدقائى الذين احبهم احب ذلك الاحساس الذى يجعلنا واحد دائماً . نعود مرة اخرى الى العمل مع محاولة التغلب على الصداع بكوب نيسكافية ساخن,, ولكنى اشعر بضيق وحزن لا أعرف مصدره؟!
نقرر الذهاب الى السينما بعد انتهاء مواعيد العمل التى لا نلتزم بها اصلاً فتعتذر واحدة منا لارتباطها بموعد اخر ,, نغادر العمل و نذوب فى زحمة مصر الجديدة ومدينة نصر ,نستمع الى الراديو اجد يسرى الفخرانى يتحدث بشكل مفتعل عن العلاقات الانسانية وحب الجار والصديق وكأنك تستمع الى احدى دروس المرحلة الابتدائية ,نغلق الراديو ونستمع الى انغام ,وعقلى يدندن فيروز ,نصل اخيراً الى السينما,, اقرر شراء فيشار وكيت كات وزجاجة مياة ,, اتذكر الشيكولاتة وتأثيرها الايجابى على الحالة المزاجية للفرد, ولكن فى النهاية اقرر الحصول على زجاجة مياة فقط ,ندخل الى قاعة السينما الهادئة ,احب ذلك الاحساس والعزلة الجماعية التى اشعر بها داخل قاعة السينما الجلوس على مقعد مريح وظلام دامس تفكر وتضحك وتحزن ولا احد يراك او ينتبه الى تعبيرات وجهك داخل هذا الظلام ,تبداء الاعلانات ونضحك على الترجمة الخرافية لأسماء الافلام الاجنبية
تدور فكرة  الفيلم بأختصار حول الاقنعة التى نرتديها لجذب وارضاء الاخرين. اعجبنى كثيراً جملة قالها البطل " كلنا بنعمل دوبلاج لنفسنا عشان نبان حلوين اوى قدام الناس " افكر فى تلك الجملة وفى الاقنعة التى نرتديها ووضع تلك الابتسامات الملونة والتصرفات التى نفتعلها لأرضاء من حولنا اعلم جيداً انى ارتدى احدى تلك الاقنعة وامارس مهنة المدبلج كثيراً لاسباب لا يعلمها الا الله وانا . ينفصلان الحبيبان فى الفيلم فتبداء صديقاتى بالبكاء ويتقاسموا اوراق المناديل بينهم , ينتهى الفيلم بنهاية سعيدة كبقية الافلام المصرية , ليت تنتهى الدنيا مثل تلك النهايات الملونة او على الاقل تنتهى تلك الايام الصيفية بنهايات سعيدة , نخرج من قاعة السينما بخطوات هادئة ولازال الحزن بداخلى موجود , تسألنى احدهن : اية يا هشام ساكت لية شكلك كدة عيطت فى الفيلم انت كمان
 , اخبرها لأ طبعاً انا ماليش فى جو العياط فى السينما والهجص ده
الحقيقة اننى لم ابكى فعلاً اثناء مشاهدتى للفيلم , ولكنى بكيت كثيراً داخل قاعات السينما وحدى من قبل ! 
يقرران الذهاب الى شراء بعض الملابس . كم اكره تسوق البنات والبحلقة امام قطع الملابس المختلفة لساعات طويلة, يدخلن جميعاً محل مشهور وانتظر وحدى بالخارج،  فى هذه اللحظات بدأت احاول ترجمة حقيقة الاشياء من حولى ومعرفة ما يشعرنى بالحزن, تشاور لى احدى صديقاتى بالدخول الى المحل اشير لها بيدى من بعيد "لأ بلاش" فتخرج من المحل وتشدنى من يدى كالاطفال لكى ادخل معاها ,وتسألنى اذا كان هذا يناسبها يوم عيد ميلادها ام لا ؟ اخبرها انه جميل وشكله مريح فتظهر امامى صديقة اخرى وهى ترتدى جاكيت جلد بنى فتسألنى عن رأى اخبرها انها يناسبها جداً والثالثة تخرج من غرفة الملابس وهى تحمل قطعتين من الملابس وتقرر شرائهم دون ان تعرف رأى احد منا!
مرات قليلة التى دخلت فيها محلات البنات اشعر وكأنى فى كوكب اخر من نوع وجنس واحد وانا كائن دخيل على هذا الكوكب الملون باللون البامبى والمليء برائحة البنات المبهجة, اشعر بضيق فأخرج قبلهم وابقى وحدى مرة اخرى ,ولا زال ذلك الحزن يتملكنى ويتحكم فى ,, احاول التفكير فى اشياء اخرى حتى لا يكبر ذلك الحزن بداخى اكثر من ذلك ,, لازم اروح لدكتور السنان واصلح اللابتوب وعايز احلق دقنى و محتاج اكتب ,محتاج اشترى كتب و...اى كلام اى كلام اى كلام ,, الحزن مازال هنا!
يخرجن بناتى محملين بالاكياس وعلى وجوههم سعادة الدنيا ,اعرف جيداً ماذا يمثل شراء الملابس للبنات ! نجتمع كلنا خارج المحل البامبى نتحدث ونضحك قليلاً كم احب كيف نكون سوياً ,, اشعر برغبة شديدة فى احتضننا جميعاً حضن "تفعيص" فتقترح احدهن ان نتصور صورة جماعية نبتسم كلنا الى الكاميراً وانا اضع تلك الابتسامة الساذجة الملونة كالعادة ! نسلم على بعض ونفترق واعود الى المنزل .
كان يمكن ان يكون يوماً رائع بكل المقايس لو انى فقط تركت ذلك الحزن الذى يتمكلنى على جنب , ادخل غرفتى واغلق الباب على بالمفتاح واغلق هاتفى وارميه على سريرى ابدل ملابسى ارتدى شىء خفيف ومريح , المح وجهى امام المرأة ,, اجد عينى كرة دموية تكاد ان تنفجر فى اى لحظة ,, ودقنى طويلة فى شكل كئيب ,,اريد ان اكتب ولكن يعود الصداع النصفى الى عقلى فاتجاهله ,واكتب بضع السطور فى قصة كيك بالبصل ثم اغلق اللابتوب والقى بجسدى على الارض ,اشعار بأنهيار لا أرادى داخلى نعم انها بداية الانجرف فى وحل الاحزان واشعر بدموعى تكاد ان تخرج من عينى ,احاول مرة اخيرة الا استسلم لذلك الحزن ,فانتفض من مكانى وادخل الحمام واخلع كل ملابسى واقوم بحلاقة دقنى فتظهر ملامح وجهى اكثر ,انظر الى وجهى الحزين واتذكر كلمات امى وهى تقول ان شكلى تغير اكثر من الف مرة على مدار 24 سنة , هل الوجه يتغير بسبب الحزن ؟ ام يتغير بتغير عقولنا؟ افتح الدوش لا اريد الاستحمام ولكن اريد فقط ان تلمس المياة جسدى  وتتساقط على رأسى امطار الدوش الدافئة لعلها تزيل غبار ذلك الحزن من جسدى وعقلى ,, اخرج من الحمام وعقلى نظيف وجسمى هادىء ,, ادخل غرفتى امام التلفزيون المغلق اقرر الجلوس لخمس دقائق بدون حراك فى هدوء ثابت , ارفع رأسى فأرى كتاب يمحلق فى من على احد الرفوف "لا تحزن لعائض القرنى" اجذبه بين يدى وافتح صفحاتة بعشوائية لتقع عينى على تلك الصفحة
 يومك .... يومك
إذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، اليوم فحسب ستعيش ، فلا أمس الذي ذهب بخيره وشره ، ولا الغد الذي لم يأت إلى الآن . اليوم الذي أظلتك شمسه ، وأدركك نهاره هو يومك فحسب ، عمرك يوم واحد ، فاجعل في خلدك العيش لهذا اليوم وكأنك ولدت فيه وتموت فيه ، حينها لا تتعثر حياتك بين هاجس الماضي وهمه وغمه ، وبين توقع المستقبل وشبحه المخيف وزحفه المرعب ، لليوم فقط اصرف تركيزك واهتمامك وإبداعك وكدك وجدك ، فلهذا اليوم لابد أن تقدم صلاة خاشعة وتلاوة بتدبر و إطلاعا بتأمل ، وذكرا بحضور ، واتزانا في الأمور ، وحسنا في خلق ، ورضا بالمقسوم ، واهتماما بالمظهر ، واعتناء بالجسم ، ونفعا للآخرين
.
لليوم هذا الذي أنت فيه فتقسم ساعاته وتجعل من دقائقه سنوات ، ومن ثوانيه شهور ، تزرع فيه الخير ، تسدي فيه الجميل ، تستغفر فيه من الذنب ، تذكر فيه الرب ، تتهيأ للرحيل ، تعيش هذا اليوم فرحا وسرورا ، وأمنا وسكينة ، ترضى فيه برزقك ، بزوجتك ، بأطفالك بوظيفتك ، ببيتك ، بعلمك ، بمستواك ( فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ) تعيش هذا اليوم بلا حزن ولا انزعاج ، ولا سخط ولا حقد ، ولا حسد. إن عليك أن تكتب على لوح قلبك عبارة واحدة تجعلها أيضا على مكتبك تقول العبارة : (يومك يومك). إذا أكلت خبزا حارا شهيا هذا اليوم فهل يضرك خبز الأمس الجاف الرديء ، أو خبز غد الغائب المنتظر.
إذا شربت ماء عذبا زلالا هذا اليوم ، فلماذا تحزن من ماء أمس الملح الأجاج ، أو تهتم لماء غدا الآسن الحار.
لليوم فقط سأعيش فأغرس في قلبي الفضيلة وأجتث منه شجرة الشر بغصونها الشائكة من كبر وعجب ورياء وحسد وحقد وغل وسوء.
لليوم فقط سأعيش , فيا ماضي اذهب وانتهي اغرب كشمسك ، فلن أبكي عليك ولن تراني أقف لأتذكرك لحظة ، لأنك تركتنا وهجرتنا وارتحلت عنا ولن تعود إلينا أبد الآبدين.
ويا مستقبل أنت في عالم الغيب فلن أتعامل مع الأحلام ، ولن أبيع نفسي مع الأوهام ولن أتعجل ميلاد مفقود ، لأن غدا لا شيء لأنه لم يخلق ولأنه لم يكن مذكورا.
يومك يومك أيها الإنسان أروع كلمة في قاموس السعادة لمن أراد الحياة في أبهي صورها وأجمل حللها.

هناك تعليقان (2):

Rababoush يقول...

حلوة أوي وحقيقية أوي...دخلتني جواها وعيشت فيها...سلوبك دايماَ رائع

amr helmy يقول...

msh momken el mawdou3 7a2e2e awi w lazez gedan w feh m3ane kter helwa w masha3er w 3elaqat ensanya tou7fa bgd bravo ya hesham (Y)